فخر الدين الرازي
10
تفسير الرازي
إلا مفترون ) * وفيه سؤال وهو أنه كيف دعاهم إلى عبادة الله تعالى قبل أن أقام الدلالة على ثبوت الإله تعالى ؟ قلنا : دلائل وجود الله تعالى ظاهرة ، وهي دلائل الآفاق والأنفس وقلما توجد في الدنيا طائفة ينكرون وجود الإله تعالى ، ولذلك قال تعالى في صفة الكفار : * ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) * . قال مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازي رحمه الله وختم له بالحسن ، دخلت بلاد الهند فرأيت أولئك الكفار مطبقين على الاعتراف بوجود الإله ، وأكثر بلاد الترك أيضاً كذلك ، وأنما الشأن في عبادة الأوثان ، فإنها آفة عمت أكثر أطراف الأرض وهكذا الأمر كان في الزمان القديم ، أعني زمان نوح وهود وصالح عليهم السلام ، فهؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، كانوا يمنعونهم من عبادة الأصنام ، فكان قوله : * ( اعبدوا الله ) * معناه لا تعبدوا غير الله والدليل عليه أنه قال عقيبه : * ( مالكم من إله غيره ) * وذلك يدل على أن المقصود من هذا الكلام منعهم عن الاشتغال بعبادة الأصنام . وأما قوله : * ( مالكم من إله غيره ) * فقرئ * ( غيره ) * بالرفع صفة على محل الجار والمجرور ، وقرئ بالجر صفة على اللفظ . ثم قال : * ( إن أنتم إلا مفترون ) * يعني أنكم كاذبون في قولكم إن هذه الأصنام تحسن عبادتها ، أو في قولكم إنها تستحق العبادة ، وكيف لا يكون هذا كذباً وافتراء وهي جمادات لا حس لها ولا إدراك ، والإنسان هو الذي ركبها وصورها فكيف يليق بالإنسان الذي صنعها أن يعبدها وأن يضع الجبهة على التراب تعظيماً لها ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام لما أرشدهم إلى التوحيد ومنعهم عن عبادة الأوثان قال : و * ( يا قوم لا أسألكم عليه أجراً إن أجري إلا على الذي فطرني ) * وهو عين ما ذكره نوح عليه السلام ، وذلك لأن الدعوة إلى الله تعالى إذا كانت مطهرة عن دنس الطمع ، قوي تأثيرها في القلب . ثم قال * ( أفلا تعقلون ) * يعني أفلا تعقلون أني مصيب في المنع من عبادة الأصنام ، وذلك لأن العلم بصحة هذا المنع ، كأنه مركوز في بدائه العقول .